ابن قيم الجوزية
561
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وعلم الأدب : هو علم إصلاح اللسان والخطاب ، وإصابة مواقعه ، وتحسين ألفاظه ، وصيانته عن الخطأ والخلل . وهو شعبة من الأدب العام . واللّه أعلم . أنواع الأدب و « الأدب ثلاثة أنواع : أدب مع اللّه سبحانه . وأدب مع رسوله صلى اللّه عليه وسلم وشرعه . وأدب مع خلقه » . فالأدب مع اللّه ثلاثة أنواع : أحدها : صيانة معاملته : أن يشوبها بنقيصة . الثاني : صيانة قلبه : أن يلتفت إلى غيره . الثالث : صيانة إرادته : أن تتعلق بما يمقتك عليه . قال أبو علي الدقاق : العبد يصل بطاعة اللّه إلى الجنة ، ويصل بأدبه في طاعته إلى اللّه . وقال : رأيت من أراد أن يمد يده في الصلاة إلى أنفه فقبض على يده . وقال ابن عطاء : الأدب الوقوف مع المستحسنات . فقيل له : وما معناه ؟ فقال : أن تعامله سبحانه بالأدب سرا وعلنا . ثم أنشد : إذا نطقت جاءت بكل ملاحة * وإن سكتت جاءت بكل مليح وقال أبو علي : من صاحب الملوك بغير أدب أسلمه الجهل إلى القتل . وقال يحيى بن معاذ : إذا ترك العارف أدبه مع معروفه ، فقد هلك مع الهالكين . وقال أبو علي : ترك الأدب يوجب الطرد . فمن أساء الأدب على البساط ردّ إلى الباب . ومن أساء الأدب على الباب رد إلى سياسة الدواب . وقال يحيى بن معاذ : من تأدب بأدب اللّه صار من أهل محبة اللّه . وقال ابن المبارك : نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم . وسئل الحسن البصري رحمه اللّه عن أنفع الأدب ؟ فقال : التفقه في الدين والزهد في الدنيا ، والمعرفة بما للّه عليك . وقال سهل : القوم استعانوا باللّه على مراد اللّه . وصبروا للّه على آداب اللّه . وقال ابن المبارك : طلبنا الأدب حين فاتنا المؤدبون . وقال : الأدب للعارف كالتوبة للمستأنف . وقال أبو حفص - لما قال له الجنيد : لقد أدبت أصحابك أدب السلاطين - فقال : حسن الأدب في الظاهر عنوان حسن الأدب في الباطن . فالأدب مع اللّه حسن الصحبة معه ، بإيقاع الحركات الظاهرة والباطنة على مقتضى التعظيم والإجلال والحياء . كحال مجالس الملوك ومصاحبهم . وقال أبو نصر السراج : الناس في الأدب على ثلاث طبقات : أما أهل الدنيا : فأكبر آدابهم : في الفصاحة والبلاغة . وحفظ العلوم ، وأسمار الملوك ، وأشعار العرب .